مجمع البحوث الاسلامية

472

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنّي لا أستجيز الكسر في صاده ، لاتّفاق قراءة الأمصار على فتحها . ولو كانت القراءة بكسرها مستفيضة استفاضتها بفتحها ، كان صوابا القراءة بها كذلك ، لما ذكرنا من تصرّف « الإحصان » في المعاني الّتي بيّنّاها ، فيكون معنى ذلك لو كسر : والعفائف من النّساء حرام عليكم ، إلّا ما ملكت أيمانكم ، بمعنى أنهنّ أحصنّ أنفسهنّ بالعفّة . ( 5 : 17 ) الزّجّاج : ( المحصنات ) هنّ الحرائر ، وقيل أيضا : العفائف ، وقد قال بعض أصحابنا : إنّهنّ الحرائر خاصّة . وزعم من قال : إنّهنّ العفائف : حرّم على النّاس أن يتزوّجوا بغير العفيفة ، وليس ينبغي للإنسان أن يتزوّج بغير عفيفة . واحتجّ قائل هذا القول بأنّ قوله عزّ وجلّ : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ النّور : 3 ، منسوخ ، وأنّ قوله : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ النّور : 32 ، يصلح أن يكون يتزوّج الرّجل من أحبّ من النّساء . والدّليل على أنّ المحصنات هنّ العفائف قوله : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها التّحريم : 12 ، أي أعفّت فرجها . ( 2 : 39 ) ابن عطيّة : و ( المحصنات ) في هذا الموضع : الحرائر ، يدلّ على ذلك التّقسيم بينهنّ وبين الإماء . وقالت فرقة : معناه : العفائف ، وهو ضعيف ، لأنّ الإماء يقعن تحته ، وقد تقدّم الذّكر للقراءة في ( المحصنات ) . ( 2 : 37 ) نحوه القرطبيّ . ( 5 : 139 ) الطّبرسيّ : الحرائر المؤمنات . ( 2 : 34 ) أبو السّعود : والمراد ب ( المحصنات ) : الحرائر ، بدليل مقابلتهنّ بالمملوكات ، فإنّ حرّيّتهنّ أحصنتهنّ عن ذلّ الرّقّ والابتذال ، وغيرهما من صفات القصور والنّقصان . ( 2 : 124 ) مثله البروسويّ ( 2 : 190 ) ، ونحوه الآلوسيّ ( 5 : 7 ) . الطّباطبائيّ : والمراد ب ( المحصنات ) : الحرائر ، بقرينة مقابلته بالفتيات . وهذا بعينه يشهد على أن ليس المراد بها : العفائف ، وإلّا لم تقابل بالفتيات ، بل بها وبغير العفائف . وليس المراد بها ذوات الأزواج ؛ إذ لا يقع عليها العقد ، ولا المسلمات ، وإلّا لاستغنى عن التّقييد ب ( المؤمنات ) . ( 4 : 275 ) فضل اللّه : أي المؤمنات الحرائر . ولعلّ المناسبة في التّعبير عن الحرائر ب ( المحصنات ) هو أنّ الحرّيّة تحصن المرأة الحرّة ، من خلال طبيعة الواقع الاجتماعيّ الّذي تعيشه ، في نطاق القيم العائليّة الّتي تربط الفرد بمجتمعه ، في حركة العلاقات المحكومة ، لاعتبارات شرف العائلة وأجواء الإحساس بالكرامة ، ممّا يخلق لدى الفرد الحرّ - رجلا كان أو امرأة - حالة نفسيّة منفتحة على احترام الذّات ، والابتعاد عن الابتذال الّذي يجلب العار للإنسان في وجوده الفرديّ والاجتماعيّ ، والانطلاق من الضّمير الإنسانيّ الّذي يخضع للحسابات الدّقيقة المانعة من السّقوط والانحدار ، الأمر الّذي يجعل الحرّيّة - بحسب طبيعتها الذّاتيّة وتقاليدها الاجتماعيّة - مرادفة للعفّة . أمّا الأمة ، فإنّ انتقالها من مالك إلى مالك - بحسب طبيعة الواقع التّجاريّ الّذي يجعلها سلعة تتناقلها